التعقيد البرمجي من أسوأ الأحوال التي يمكن أن يصل إليها الشخص، أحياناً كثيرة يكون التعقيد من جهة الزبون، ولكن التعقيد داخل العمل أو المشروع قاتل، بالفعل مقولة لينوس تسطر بماء الذهب، “Talk is cheap, show me the code”، من الأمثلة الشائعة التي تقتل المشاريع الريادية (startups) هو التعقيد، فلا يقبل مؤسس المشروع لإطلاقه إلا أن يكون بأبهى حلة، وبتلك الحالة لايطلقه أبداً ﻷنه لم ولن يصبح أي مشروع أو برنامج بهيئة متكاملة، يقودنا الموضوع لنقيض التعقيد وهو البساطة ولكن أحياناً كثيرة نقع بالتعقيد دون أن نعرف أو ننجرف مع التيار.
أذكر قصة قرأتها في موقع The Daily بعنوان The Complicator’s Gloves أو قفازات المُعقّد (لاحظوا التشكيل)، القصة تتحدث عن شركة يوجد فيها منتدى حواري لمبرمجي الشركة، ففي يوم من اﻷيام طرح موضوع غير برمجي من قبل شخص مُعقّد عن أنه لديه فكرة رائعة لبرودة مقود الدراجة في صبيحة اﻷيام الباردة في إنجلترا، وتدفق الكثير من الناس إلى ذلك الموضوع يطرحون أفكار حيث بدأت الأفكار بتركيب دينامو على الدراجة ثم تركيب دينامو مع بطارية وتدرجت الإبداعات اللامتناهية في التعقيد وكيف أن أحد لم يفكر بهذه الفكرة من قبل! حتى وصلت هذه الأفكار العبقرية إلى طريقة أكثر بساطة وفاعلية! تلك الفكرة البسيطة والفعالة كانت عبارة عن جاكيت مفرغ من الداخل فيه أنابيب تجري فيها المياه الدافئة من منطقة اليدين إلى المعدة وستجري المياه بفعل حركة الجسم، ويمكن إضافة الدينامو أو البطارية إليه لفعالية زائدة إلى موديل الدراجة وليس المشي.
وأخيراً تدخل أحدهم ليوقف هذه المهزلة الفكرية ويقول بأن هذا أسخف نقاش شاهده منذ أسبوع، حيث وقتها كانوا يناقشون هيكلية عنصر في نظام يطوروه، ويقول بأنه لايوجد مثل هكذا نظام (الجاكيت المفرغ والدينامو) ﻷنه وببساطة يوجد اختراع لتدفئة اليدين اسمه القفازات والتي تبقي يديك دافئتين.

بالتأكيد الآن أنتم تضحكون على سذاجة هؤلاء الناس ومدى تفاهة التعقيد الذي وصلوا إليه ولكن صدقوني مررت بهذا الموقف عشرات المرات وأحياناً تنجرف مع التيار ولكن عندما ترجع إلى الوراء قليلاً وتفكر ببساطة وعقلانية تكتشف مدى التعقيد الذي تتحدثون عنه.
مثال آخر كان من برنامج نجوم العرب الخاص بالاختراعات حيث طرحت مخترعة فكرة بدلة مكيفة وكان النقاش الجاد هو كيفية وضع ضاغط صغير كي لايتعب الإنسان عند حمله، ربما لو ذهبت هذه المرأة إلى البادية وسألت الناس هناك كيف يعيشون منذ آلاف السنين مع حر الشمس الضارب لوفرت على نفسها وعلى البرنامج آلاف الدولارات التي كانت من الممكن أن تذهب لاختراع يعود بفائدة أكبر علينا، ربما تخرج مثل هذه الفكرة للواقع ولكن لا أستطيع تخيل فكرة أن أعود إلى البيت ﻷشحن قميصي بالكهرباء حتى يبقيني بارداً، مافعلته في رمضان الماضي كان وبكل بساطة تفادي الخروج خلال ساعات الظهيرة.
سأذكر الآن مثالاً عن البساطة من وجهة نظري وهو خدمة ديلشس (Delicious) لإضافة مفضلات الصفحات، الخدمة توقفت عن التطوير الجدي لأكثر من ثلاث سنوات حينما كانت بيد ياهوو، ولكن بساطة الخدمة جعلتني وجعلت الكثيرين يستمرون، أنا لا أريد إلا أن أضيف مفضلة واستعرض مفضلاتي القديمة حسب تصنيف ما، وتكون الخدمة سحابية أي لاتتوقف إذا تعطل جهازي، لا أريد آلاف الخدمات مثل الاقتراحات والإحصائيات إلخ إلخ، هذا ماجعلني استمر مع هذه الخدمة لحد الآن.
تأتي هذه الأفكار التعقيدية للإنسان عندما يكون متحمس لفكرة بشكل أعمى، حيث يضيف ويضيف ويضيف عشرات الميزات ليصبح النظام محشواً لايقوى على الوقوف وبالنهاية يفشل، وأيضاً مما لاشك فيه بأن هناك أناس تفكيرهم تعقّيدي فابتعد عنهم أفضل لك.






